أحمد بن محمد القسطلاني
4
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
يكثر من الإكثار ، ( وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمثل حديث أبي هريرة وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ) بفتح ياء المضارعة من يشغله مضارع شغله الشيء ثلاثيًا . قال الجوهري : ولا تقل أشغلني يعني بالألف لأنه لغة رديئة والصفق بالصاد وسكون الفاء وبالقاف . وقال الحافظ ابن حجر : ووقع في رواية القابسي بالسين أي بدل الصاد ، وقد قال الخليل : كل صاد تجيء قبل القاف فللعرب فيها لغتان سين وصاد . قال في المصابيح وقوله : يشغلهم خبر كان مقدمًا وصفق اسمها . فإن قلت : قد منعوا في باب المبتدأ تقديم الخبر في مثل زيد قام لئلا يلتبس بالفاعل ومقتضاه منع ما ذكرته من الإعراب . وأجاب بأنه بعد دخول الناسخ يجوز نحو : كان يقوم زيد خلافًا لقوم صرح به في التسهيل اه - . والمراد بالصفق هنا التبايع لأنهم كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكفّ أمارة لانتزاع المبيع لأن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي والمقبوض تبع لها ، فإذا تصافقت الأكف انتقلت الأملاك واستقرت كل يد منها على ما صار لكل واحد منهما من ملك صاحبه . وهذا موضع الترجمة لأنه وقع في زمنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واطّلع عليه وأقره . ( وكنت ألزم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ملء بطني ) بكسر الميم وسكون اللام ثم همزة مقتنعًا بالقوت فلم يكن لي غيبة عنه ( فأشهد ) رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إذا غابوا ) أي إخوتي من المهاجرين ( وأحفظ ) حديثه ( إذا نسوا ) بفتح النون وضم المهملة المخففة ( وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم ) في الزراعة ، وعمل : فاعل يشغل ، وإخوتي : مفعول وهو المثناة الفوقية في الموضعين ، ( وكنت امرأ مسكينًا من مساكين الصفة ) التي كانت منزل غرباء فقراء الصحابة بالمسجد الشريف النبوي ( أعي ) استئناف أو حال من الضمير في كنت وإن كان مضارعًا وكان ماضيًا لأنه لحكاية الحال الماضية أي أحفظ ( حين ينسون ) لم يقل أشهد إذا غابوا لأن غيبة الأنصار كانت أقل لأن المدينة بلدهم ووقت الزراعة قصير فلم يعتدّ به ( وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث يحدّثه : إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول ) أي حفظه ( فبسطت نمرة ) كانت ( عليّ ) بفتح النون وكسر الميم كساء ملونًا كأنه من النمر لما فيه من سواد وبياض ، وقال ثعلب : ثوب مخطط ( حتى إذا قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلك من شيء ) . ووقع في الترمذي التصريح بهذه القابلة المبهمة في حديث أبي هريرة ولفظه قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله تعالى عليه فيتعلمهن ويعلمهنّ إلا دخل الجنة " ومقتضى قوله : فما نسيت من مقالة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلك من شيء تخصيص عدم النسيان بهذه المقالة فقط ، لكن وقع في باب : حفظ العلم من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : ابسط رداءك فبسطته فغرف بيديه ثم قال ضمه فضممته فما نسيت شيئًا بعده أي بعد الضم ، وظاهره العموم في عدم النسيان منه لكل شيء في الحديث وغيره لأن النكرة في سياق النفي تدل عليه ، لكن وقع في رواية يونس عند مسلم : فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدّثني به ، وهو يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث . وحديث الباب أخرجه مسلم في الفضائل ، والنسائي في العلم . 2048 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه - : " لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ : إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالاً ، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي ، وَانْظُرْ أَىَّ زَوْجَتَىَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا ، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا . قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : لاَ حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ ؟ قَالَ : سُوقُ قَيْنُقَاعَ . قَالَ : فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ . قَالَ : ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَزَوَّجْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَمَنْ ؟ قَالَ : امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ . قَالَ : كَمْ سُقْتَ ؟ قَالَ : زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ - أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ " . [ الحديث 2048 - طرفه في : 3780 ] . وبه قال ( حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله ) الأويسي قال : ( حدّثنا إبراهيم بن سعد ) بسكون العين ( عن أبيه ) سعد ( عن جدّه ) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ( قال : قال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - لما قدمنا المدينة : آخى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيني وبين سعد بن الربيع ) بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية الأنصاري الخزرجي النقيب البدري ، وآخى بالمدّ جعلنا أخوين وكان ذلك بعد قدومه عليه الصلاة والسلام المدينة بخمسة أشهر وكانوا يتوارثون بذلك دون القرابة حتى نزلت { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } [ الأحزاب : 6 ] ( فقال سعد بن الربيع ) لعبد